الجمعة، 10 يوليو 2009

"إرهاب" مروة يطعن ألمانيا في أحشائها


لا شك عندي أن الطعنات التي أصابت أختنا الدكتورة مروة الشربيني بقاعة محكمة الإستئناف بمدينة درسدن الألمانية قد أصابت من دونها قوما آخرين، وخاصة عشيرتها الأقربين، بمصر وإخوانها المسلمين الذين قدر الله أن يكونوا معها في نفس البلد الذي طعنت فيه.
أخط هذه الكلمات لنفسي أولا ولإخواني القراء أينما وجدوا، وأسلّم أنه لا يمكنني الكلام في هذه القضية دون انحياز للضحية! خاصة وأن كاتب هذه الكلمات يعرف العنصرية المتفشية بألمانيا والتي بعضها ظاهر للعيان وأغلبها خفي تراه في نظرات العيون أو تسمعه مما تتمتمه الألسن أو تجهره! وكثيرا ما كنت معه وجها لوجه!
نعم حزن وألم يعتصرنا على فراق مروة وإصابة زوجها ويتم طفلها، وإن العين لدمع وإن القلب ليحزن ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا، وهنيئا لمروة شهادتها لدينها وشهادتها على العنصرية المتفشية! ... الموت واحد وإن تعددت أسبابه أو اختلفت مواقعه.

كلام كثير قيل حول ما حصل بعضه صحيح وبعضه مجانب للحقيقة من هول الصدمة أو حسابات سياسية ومزايدات لا تليق بالحدث!

حكم الظاهر يقول بأن القاتل فرد معروف الأسم والعنوان وهو المسؤول الأول عن جريمته! ويقول بأنه ليس هناك سياسة ألمانية مبرمجة لاستهداف المسلمين وقتلهم قتلا مباشرا! وهذا صحيح فما يحظى به كثير من المسلمين في هذه البلاد من حرية ينظمها القانون ويحميها القضاء المستقل لا يتمتع به إخوانهم في بقية البلدان الإسلامية. ويمكن أن أزيد فأقول بأن الألمان من ذوي الأصول الروسية يتعرضون إلى العنصرية من بقية الألمان، وإن بفارق كبير بين ما يتعرضون له وما يتعرض له العرب والمسلمون.

ولكن الناظر خلف ذلك الظاهر يجد حملة عداء شعواء للإسلام وأهله يؤججها الإعلام بسكوت أو مباركة من اللوبيات والساسة.
"إسلامفوبيا" تنتشر وتتوسع وتشكل أذهان الأطفال في المدارس والعمال في المصانع! ... حتى أن بعضهم يدرب كلبه على النباح عند سماع كلمة "تركي"!

الإعلام يؤجج المعركة ويدفع للمحرقة
السائد المنتشر الذي صنعه الإعلام في أذهان عامة الغربيين وخصوصا منهم الألمان، أن المسلمات لا يلبس الخمار (الحجاب) طوعا وإنما هن مكرهات من آبائهن أو إخوانهم أو أزواجهن! ... فالحجاب احتقار للمرأة وفرض ذكوري متخلف على النساء لذلك وجب تحريرهن منه وبكل الوسائل.

كنت أحاور ذات مرة غربيين ممن اقتنع بهذه الفكرة ويدافع عنها باستماتة فقلت لهم بأسلوب مبسط يفهمونه ـ وهو لغة المادة المعبودة لديهم ـ يمكنني أن أدلك على نساء مسلمات ليس لهن رجالا يخشونهن وبعضهن ألمانيات مسلمات وحديثات عهد بالإسلام، إعرض عليهن أي مبلغ تتخيله مقابل أن ينزعن الحجاب أمامك فإن فعلن فنظريتكم صحيحة والمسلمات مكرهات على الحجاب، فبهت الذي كفر!

عجوز ألمانية تحاورني حول التسامح الديني والقبول بالآخر وأنا أثني على أفكارها "و " أغني معها على نفس الموال" وفي الأثناء مرت سيدة تركية مسنة بالطريق مرتدية حجابها، استفز مظهرها محاورتي فقالت:" ولكن هؤلاء النسوة اللّاتي يتجولن بالحجاب ..." ( قالتها بما يفيد الرفض والإشمئزاز)! فقلت ولكنهن لم يؤذين أحدا بأغطية رؤوسهن" فردت بكل وقاحة : "بلى! بلى! يؤذين!!"

العقلية السائدة عند عموم الشعب الألماني والتي تذكيها "الإسلاموفوبيا" هي "من اختار أن يعيش بيننا فيجب أن يتماهى معنا" لا حق له في الإختلاف شكلا ومظهرا
يعللون ذلك بأنهم إن سافروا إلى البلاد التي تفرض الحجاب يقبلون بذلك!
وهو زعم كاذب فهم لا يحترمون تقاليد وعادات البلدان الأخرى بل يتصرفون كما لو أنهم في ألمانيا وأكثر! ... يعيش كثير منهم لسنين طويلة في البلاد الإسلامية ولا يتعلمون من العربية إلا
كلمات معدودات على أصابع اليد الواحدة ولكنهم لا يقبلون ذلك من رجل تركي مسن قد يكون غير متعلم أصلا.

حملة شعواء يقودها الإعلام المتصهين ضد الإسلام والمسلمين تبرمج أدمغة الشباب وتصنع عنصرية ومعاداة بغيضة للآخر المختلف! ... الذي يصور على أنه هو سبب كل الكوارث بما في ذلك الأزمة المالية العالمية!
حذر العقلاء من الجانبين من تداعيات تكالب الإعلام في حملة الإسلامفوبيا المستمرة ولكن مواقف أصحاب السياسة تغازل دائما أصوات الناخبين وإن كان في ذلك دوس على رقاب آخرين.

الشهيدة مروة أفضت إلى ربها راضية مرضية ـ إن شاء الله ـ ولكن محرقة أشد ضد إخوانها المسلمين بدأت ملامحها تلوح في الأفق . وهو ما أكدته الصحفية الأمانية "زابينا شيفر" منذ سنوات، من خلال دراسة قارنت فيها بين حملة الإعلام الألماني ضد اليهود قبل المحرقة والحملة ضد المسلمين الآن.

ولمن يشكك في هذا الطرح، فالرد عليه في تفاعل الشرطي الذي دخل قاعة المحكمة وصوب مسدسه لزوج الضحية اعتقادا منه أنه هو الجاني في حين لم يصب المجرم الحقيقي بأذى وهو الذي أصاب الشهيدة بأكثر من ثمانية عشرة طعنة قاتلة وثلاث طعنات أو أكثر لزوجها ، على مرأى ومسمع من القاضي والموظفين والشهود، لاشك أن الشرطي لم يكن يقصد سوء أو مآزرة للجاني ضد المجني عليهما، وإنما هي البرمجة المسبقة التي تحكم لاوعيه .

ذلك أن مصدر الشر والعنف والإرهاب لا يمكن أن يكون من "بني الأصفر" أو "بني الأشقر" فهم قوم متحضرون وإنما الشر كله آت من أصحاب الرؤوس السوداء والبشرة السمراء!

ماذا لو أن مسلما تسلح بسكين وقتل ألمانيا في قاعة المحكمة، هل كان الإعلام سيتناول الحدث على أنه جريمة فردية وحدث معزول؟ أم أنه سيقرنها بالإرهاب الإسلامي الذي حرض عليه القرآن ومارسه نبيء الإسلام كما صرح "حبرهم الأعظم" في محاضرته الشهيرة بجامعة "ريغنسبورق"؟

سؤال إلى الأمن والقضاء الألماني
دخلت إلى محاكم كثيرة بألمانيا وكانت إجراءات الأمن بها غاية في التشدد فلا يمكن لأحد أن يمر ومعه هاتف جوال أو قطع مالية معدنية أو أي نوع من أنواع الحديد ولو كان في الحزام! والإجراءات في المحاكم أشد من إجراءات المطارات، أجهزة إنذار متطورة وطاقم بشري مدرب، فلماذا تخلفت هذه المحكمة عن سواها؟
وسؤالي الثاني: سبق للجاني أن هدد الضحية في قاعة المحكمة سنة 2008 وقال لها ـ حسب ما نقلت بعض الصحف على استحياء ـ أنت لا تستحقين الحياة! ... أليس هذا تهديدا بالقتل يوجب الإيقاف والسجن؟ ... ماذا لو أن زوج الضحية هو الذي خاطب الجاني بنفس القول، هل كان الأمر سيمر عاديا؟

كلمة إلى مسؤول السياحة المصري
نقل المذيع عمرو أديب أن السيد سامي محمود وكيل وزارة السياحة ورئيس قطاع السياحة الدولية قوله أن السياحة الألمانية لمصر لن تتأثر بمقتل مروة الشربيني!
"إن لم تستح فقل ماشئت" ولتذهب سياحتك "في ستين داهية" ولتذهب أهرامك حجرا حجرا فليست أعز علينا من دم مروة! وقد ورد في الأثر أن هدم الكعبة أهون عند الله من إراقة دم المسلم بغير حق، وأن المسلم أعظم حرمة عند الله من الكعبة فما بالك "بهدم السياحة"؟

كنت عائدا من القاهرة* إلى ألمانيا وكان يجلس خلفي رجل ألماني من الذين تشع العنصرية من ملامحهم الخارجية، لم يحصل بيني وبينه أي حوار أو تماس عدا أنني حييته ولم يرد التحية! ... عند نزول الطائرة بمطار ميونخ وقبل أن تتوقف نهائيا بلحظات عند المدرج، وقفت لآخذ شيئا من حقيبتي استعداد للرحلة المتوجهة إلى كولونيا والتي تكون بعد 45 د، وإذا بالرجل ينهرني بعنجهية "اجلس مكانك ولا تتحرك! ... الفوضى والهمجية تركناها هناك خلفنا في مصر! ... هنا ألمانيا (دوتش لاند = أرض الألمان) النظام والإنضباط الملزم والإجباري!"
... رددت بحمية عربية ( رغم قناعتي الداخلية بكثير مما قاله للأسف) " إن كانت مصر فوضى لا تعجبك فما الذي أخذك إلى هناك أيها الحقير؟! ... رد بكل وقاحة ـ يبررها تصريح وكيل السياحة آنف الذكر ـ أنتم تريدونني أن آتي إليكم وترحبون بي طمعا في مالي! ... أسمعته لاذعا من القول وتمنيت لو كان المكان غير المكان والوقت غير الوقت!!

كلمة إلى مروة
أراد الله بك خيرا فاصطفاك! ... وعلم المجرمون أنك من أمة مهيضة الجناح فاستضعفوك! ... الطعنات التى أصابتك أصابتنا معك! نسأل الله لك حسن القبول ولنا حسن الخاتمة ولأهلك وزوجك وابنك حسن الصبر والعزاء واللهم لا تسلطهم على أحد يقتلونه بعدك، وعسى أن يكون دمك سببا لرفع مظالم كثيرة عن أخواتك المسلمات الاّتي طردن من أعمالهن أو لم يقبلن أصلا بسبب تمسكهن بحقهن في ارتداء الحجاب، بل عسى الله أن يكتب لدمك شرف محو هذه القوانين الظالمة والنابعة عن الجهل بثقافة الآخرين ومعتقداتهم والتقوقع عن الذات والتمركز حولها.

كلمة لشباب المسلمين عامة وفي مصر وألمانيا خاصة
نددوا بالعنف والإرهاب والعنصرية واعملوا على إزالة أسبابها، ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا! ... لا تزر وازرة وزر أخرى! ... ولسنا ممن يأخذ بريئا بجريرة غيره! ... ورحم الله عمر المختار حين قال :"إنهم ليسوا قدوة لنا" لما طالبه أحد جنوده بضرب أسرى الطليان وقتلهم معاملة بالمثل!
هذه معركة علم واقتصاد ومراكز ضغط فإما أن نكون أو لا نكون! ... واعلموا أن طريق الجريمة والتقاعس عن العمل، والإعراض عن طلب العلم هو ما يريده لكم أعداؤكم فلا تمنحوه لهم.

كلمة إلى الحكام العرب والمسلمين وساستهم
ما يحصل من حرب إعلامية شرسة على الإسلام والمسلمين في الغرب تشفع بالقوانين الخانقة والمكبلة، يحدث بسبب ضعفكم وتهاونكم في نصرة جالياتكم ومواطنيكم الذين لا تعرفون منهم إلا ما يدخلونه من عملة صعبة لميزانياتكم! ...
الذين يعتدون على المسلمين يعلمون أن لا ظهر يحميهم في هذه الديار فمتى تستفيقون وتكونون سندا ودعما لمواطنيكم المهاجرين؟ ... أليس بكم بقية عزة أو حمية ترفعون بها أصواتكم وتساومون من أجل حقوق "أبائكم" في هذه الديار بلغة المصالح الإقتصادية في عالم لا يفهم غير لغة المصالح؟ ... أفعلوا ذلك ولو مرة من أجل شعوبكم التي نُصبتم عليها قهرا دون اختيار!!

كلمة إلى عامة الألمان وساستهم
نعلم أن فيكم ذوى عدل وقسط ولكن أصواتهم خافتة مقابل الصخب والضوضاء المرتفعة لمن عداهم! ... لا تكرروا الحماقة من جديد ولا تعيدوا إنتاج المحارق حتى لا تعيشوا عقدة أخرى! ... الزمن يدور وضعيف اليوم قوي الغد، ونرجسي اليوم مكسور غدا! فقدموا لأنفسكم ولأجيالكم القادمة شيئا من التسامح وخفض الجناح لمن خالفكم لونا وثقافة! ... وما تقدموا لأنفسكم من شيء تجدوه عند قوم يقولون للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت!

واعلموا أن الدكتورة مروة الشربيني "الإرهابية" التي طُعنت في بهو مكان يمثل وجه ألمانيا الناصع! ... قد "طَعنت" ألمانيا في "أحشائها" بالطعنات التي تلقتها في أحشائها!

إلى الفردوس مروة وإلى الجحيم ولعنة الله العنصرية والنازية!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يوم 22 ماي 2009 بعد المشارك في مؤتمر دولي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة عن مستقبل الإعلام الإلكتروني والتدوين.

طه بعزاوي / ألمانيا
9 جويلية 2009