الأحد، 7 يونيو 2009

ما اسْمُك يا صابر؟

مشاركة شعرية في الحوار الدائر بين المُهجّرين التونسيين حول موضوع العودة للوطن، وكذلك بمناسبة المؤتمر الذي ستنظمه مبادرة منفيون في جنيف في الأيام القادمة كتبها صديقنا الشاعر التونسي المتميز الأستاذ البحري العرفاوي عبّر فيها عن رأيه في الغربة وعن هموم المُهجّرين ومعناتهم لبعدهم عن وطنتهم. وقد توجه في قصيده لصديق له، كثيرا ما تحاورا حول "العودة" فاتفقا على الحاجة إليها واختلفا على ظروف تنزيلها.

خاطب الشاعر صديقة وخاطب من ورائه كل المهجرين الصابرين. فشكرا لشاعرنا البحري على نبضات قلبه الصادقة ومشاعره الجياشة (صابر التونسي)


ما اسْمُك يا صابر؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1

(البحري العرفاوي)

ما اسمُك يا صابرْ؟

هل تعرفُ نفسكَ حقا

هل تذكرُ إسمك أم أنت تكابرْ؟

إسمك عنوانٌ

إسمك نبضٌ وزمانٌ

إسمك ذاكرة ٌودفاترْ

إسمُكَ رعْشة أمك يا صابرْ

.............................

أعرف أنك من تونسَ

لكن

هل عندك رقمُ جواز...

لتعودَ وتسافرْ؟

من منكمْ صابرْ

عفوًا

من منكم لا يُدْعَى في الغرْبةِ صابرْ؟!

من منكم لم يترك إسمهُ

في غصّة أهله ويُهاجرْ؟!

من منكمْ

لم تدمعْ عيناهُ مراتٍ؟

من منكم لم يكتب بالحزن دفاترْ؟

....................................

2

ما اسمُك يا صابرْ؟

ما اسمُ صَبَاحَاتكَ في الغربةِ

ما اسْمُ الغرْبةِ... ما اسْمُ دُموعكَ تتهامرْ؟

إذ تصحو

تحسبُ أنكَ في وطنٍ

آهٍ... آهٍ.. هذا رمادُ العُمْرِ في الغربة يتناثرْ !!

.............................

صابرْ...........

ما اسْمُك يا صابرْ ؟

هل تشعُرُ أنك أنت ؟

أنك مملوءٌ... مسكونٌ ومُسافرْ؟

هل عندك في "الغرْبِ" جناحانِ... وأظافرْ ؟

هلْ عندك في "الغربِ" وفي"الشرقِ"

وفي نومك حتى....

هلْ عندك "أمٌّ" تفركُ طينك حُبّا وتحاذرْ ؟

أمّك .. أمّك ..أمّكَ.. تهتفُ بالشوق وتجاهرْ

أمّك يا صابرْ

تفرك كل صباح ... عينيها

تتأملُ صورتك الأولى...

هل تذكرُ صورتك الأولى

هل تذكرُ لوح الكُتابِ

هلْ تذكرُ ريشة حِبْرِكَ

هل تذكُرُ صوْت وخطّ مُعلمك يا صابرْ ؟

وعصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاهُ!!

وبقايا طباشيرٍ....

ونشيدا... وحروفا ورُسوما.... ودفاترْ؟

3

هل تذكرُ ألعابَك ..أترابَكَ ..أفكارًا ومشاعرْ؟

صوْتَ الجارِ

وبابَ الـــدّارِ

ورَوائحَ وطعُومًا شتى... وخمائرْ

وصهيلَ خيولٍ

وغبارًا... وعراكا ...وحراكا..... وتشاجرْ؟

تذكرُ

تذكرُ

تذكُرُ...أنك كنت صغيرًا وشجاعًا وتغامرْ

تذكُرُ أنك كنت ترتلُ آياتٍ...

كنت تغالبُ شهوتكَ ... تصبرُ وتصابرْ

تذكرُ أهلا وأحِبّهْ

يأتونكَ في النزلةِ والحُمّى

يأتونك في الفرْحةِ ..في الحُزنِ وفي الهِمّهْ

يأتونك يا صابرْ

ويُحبّون حديثك... وحديث الساعة وبشائرْ

والساعة في الأهل صفاءٌ ودُعاءٌ وسرائرْ

................................

ما اسمُك يا صابرْ؟!

ما اسمُ الغربةِ في غير التربةِ ما اسمُ الوجع الثائرْ؟

ما اسْمُ أناسِكَ وطعامِك ولباسك؟

ما اسمُ رئيسك؟

ما اسمُ رئيسك؟

ما اسمُ الدولةِ من غير جواز!! ما اسمُ الوطن النافرْ!!

.................................

4

وطنيّ أنتَ

وطنيٌّ وأبيّ ٌ ووفيّ ٌ ومُجاهرْ

خدعتكَ "العَجَلهْ "

خدعتك "الردّة "... وخطابٌ ماكرْ!!

خدعُوكَ

غدروا وجهكَ...باعُوكَ

شهدَ البائعُ والخائنُ والتاجرْ

شهدَ الخائف والراجف والسّاكرْ

شهد الكاتب والخاطب والناثرْ

شهدوا...شهدوا.........في الظلمةِ

......................... في وادٍ ماكرْ

وتنادوا

وتداعوا لمؤامرةٍ كبرى

لمؤامرةٍ أخرى

لمؤامرةٍ أكبرَ من قلبكَ من صبركَ يا صابرْ

.........................................

لليل جفونٌ وستائرْ

لليل عيونٌ وعساكرْ

لكنك تحلمُ بالعودة يا صابرْ

وتقاومُ ضعفك وتكابرْ

ضعفَ حنينك ودبيبِ الوطن في دمّكَ هادِرْ

وطني

وطني

تحلفُ إنكَ مظلومٌ

إنكَ مهمومٌ... بالشوق وبالدولةِ ... والآخرْ!!

يا الآخرُ!

يا الآخرُ!

يا الآخرْ!

لست الدولة َ، لست الأمة ، لست الشعبَ

5

ولست القدرَ القاهرْ

يا الآخرُ .. يا الآخرُ... يا الآخرْ

هل أسْتأذنك في العودةِ ؟ هلْ أسألُ عن وطني

سُيّاحًا ورياحًا ودوائرْ؟

هلْ أنسى؟

هلْ أشطبُ خارطة؟

هلْ أمحو تاريخا ؟

هلْ أقفلُ قلبي ...أخنق حُبي ... أتشرّدُ وأقامرْ؟!

يا الآخرُ

يا الآخرُ

يا الآخرْ

هلْ كان الوطنُ أرْحبَ؟

هل كنت سعيدًا... بدُموعٍ وجراحٍ وتآمُرْ ؟

هلْ كان الوطنُ أكبرَ ؟

هل تكبرُ يا وطني.... إذ أصغرُ

أوْ أني أتصاغرْ ؟

.....................................

إسْمُك يا صابرُ ماءٌ

إسمُك شوقٌ ونداءٌ

إسْمُك أسْماءٌ ..ألقابٌ شتى

إسمك أطلالٌ

وجبالٌ

وتلالٌ

إسمك أطفالٌ

وخيالٌ

وجمالٌ

إسْمُك أسْمى وسماؤك في تونس أسمى يا صابرْ

6

خذلتك "العَجَلهْ"

خذلوكَ

لوْ أنك ـ يا صابرُـ آهٍ لوْ أنكَ.. لوْ أنكَ...

"لوْ" هذه تفتحُ بابًا وشياطين... أعرفُ لكنْ...

لوْ أنك... لوْ أنكَ..................................

آهٍ يا صابرُ عشرون من عُمُرِ الدّولةِ من ماء الرّوحِ

ومن دفء الشمس ..وفصُولٍ وحقولٍ وذخائرْ

أنت ذخيرة ُ تاريخٍ

أنتَ ..........

وأنت.........

وأنتَ..........

وأنتَ .........

وكمْ جيلا ينزفهُ الطينُ كما المرجلِ تأكلهُ النارُ ولا يثأرْ!!

صابرْ:

ـ أدركُ أن الأسئلة أوْلى؟

ـ أدركُ أن سؤالك عن وطنٍ كان يُمهّدُ للعودةِ ويُحـاذرْ

ـ أدركُ أنك مشتاقٌ ... أنك توّاقٌ ....لكنك مازلت تكابرْ

ـ أدركُ أن دماءك تركضُ في تونسَ.... .وفؤادك طائرْ

ـ أدركُ أن الرّيح تهبّ برائحة الأهلِ..... تقضّ مشاعرْ

ـ أدركُ أن العاصفة شوقٌ يتقدّمُ نحوَ الأوطانِ يتجاسرْ

ـ أدركُ أن الرّعدَ خطابُ الرّوحِ إذا غضِبتْ: يا صابرْ

.........................................

العودة نصرٌ

العودة ُعُرْسٌ ونهارٌ ...أنهارٌ وضفائر

تونسُ حبلى

تونسُ شوق ٌ ووعودٌ وبشائرْ

تونسُ للكلّ فراشٌ وغطاءٌ وستائرْ

بحري العرفاوي

ماي/جوان 2009


السبت، 6 يونيو 2009

"الريس يطبطب علينا"


الموت سنة الله في خلقه، وباب كل الناس داخله وحوض كلنا وارده. ولكن أن يتحول الموت إلى مناسبة للشماتة فتلك مسألة لا يرضاها خلق كريم، وأما أن تتحول إلى فرصة للنفاق والتزلف فأمر غير مستغرب من ذوي الطبع اللئيم، وما أكثرهم!

توفي طفل هو حفيد "الريّس" مبارك، قلنا رحمه الله وأحسن الله عزاء أهله ولعل الله قد أراد به خيرا إذ أخذه قبل أن يُسأل عن الظلم وعن المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه! لاشماتة في الموت!

الموت لا يستشير وقد يختطف الأحبة بالقصف أو بالمرض أو من غير علة!

تعالت الأصوات مزايدة على بعضها ومبدية التعاطف مع "الجد" المكلوم!

آخر خبر في الراديوهات والتليفزيونات والجرائد والمجلات "محمد" مات!

جميع المؤسسات والأفراد والجمعيات مدعوون للتضامن وابداء الحزن على المصاب الجلل! ... كيف لا "والموت" قد اختار طفلا كان يمكن أن أن يكون ذا شأن! ... أو لعله كان يُعدّ ليكون الجيل الثالث من آل مبارك على عرش مصر وكان سيُلقّبُ بـ "محمد مبارك الثاني"!

مداخلات كثيرة ومتعددة صدرت عن إعلاميين وسياسيين غاية في الغرابة والعجب!

شيخ أزهري يقول بأن الله يحب الريّس ويريد أن يدخله الجنة لذلك أخذ حفيده!

أما "الزعيم العروبي" السيد مصطفى البكري فقد قال:" 28 سنة والريس يطبطب علينا وقد جاء اليوم الذي نرد فيه الجميل ونطبطب عليه"

نعم لم يكل "الريّس" طيلة الثماني وعشرين سنة من حكمه من "الطبطبة" على شعبه! ولكن ليس بيد "حنينة" وإنما بمطارق من حديد! ... حتى أن "طبطبته" قد أحدثت آثارا وخدوشا على وجه مصر يصعب على الأطباء الماهرين إزالتها ومحو آثارها ليعود وجه مصر إلى حسنه وجماله! بعد أن يغيب "حسني وجمال"!

لو أن الريس ارتقى فوق الخلافات و"طبطب" على أهالي غزة التي حرق أطفالها أمام عينيه وماتوا جوعا ومرضا بسبب حصاره، لكان يمكن أن ننسى ما كان منه ، ولكن الأرواح أرواح والدماء دماء ومن جوّع كمن قصف ومن قال أقتل كمن قتل!

تعددت الأسباب والموت واحد!

وإنا لله وإنا إليه راجعون

صابر التونسي

26 ماي 2009